السبت، 5 مارس 2011

احذر لسانك


محمد بن عبد الرحيم
        
     إن أمراض النفوس وعللها كثيرة لا تعد ، وهي أخطر من أدواء الأجسام فتكا وتدميرا . خفيةٌ خفاء خطيرا يصعب معه تحديد هويتها وشكلها وحجمها ومدى استشراءها في جزء ما من أجزاء حياة الأفراد والجماعات ، تعمل عملها في صمت حاد دون قلق أو ازعاج ، فقد يمشي صاحبها  مرتاحا يظن أنه بخير ما دامت أعضاؤه الظاهرة ترمز له بذلك ، لكنه يحمل معه سرطانات خبيثة،  الواحد منها  يردي أعتى الرجال صريع غفلته .

         قد يكون أي مرض من أمراض الجسم  الظاهرة هين العلاج سهل المداواة ، تجتمع حوله الخبرات والتجارب كي تضع لصاحبه حدا للمعاناة المؤقتة، وان طال به الأمد واستُصعب عليه العلاج فانه يمشي الى قبره في صمت . ..



أما أمراض النفوس الخفية فيدير الناس لها ظهرا في غير ما مبالاة  ، حتى اذا أتت على علاقاتهم وخربت بيوتهم ونسفت أحوالهم ، فانهم يسيرون في ذهول لا يعرفون السبب من وراء هته المصائب الا كونها : عين حاسد ، أو مس شيطان مارد ، أو  هجمة غير متوقعة من عدو ماكر . !

*  *  *  *

      ان النفس مخلوق أعجمي لا يفصح عن نفسه الا عبر ترجمان،  فاذا أرادت بث ما بها من أحوال لا تتأنى في إرسال أخطر عضو خلقه الله على الاطلاق هو السيد " لسان" ، هذا الأخير أمير على أقرانه بقوة سطوته وحدة هيبته وكثرة مراوغته ، ونشاط اقدامه ، وقلة احجامه . عليم سليط ، ضعيف في قامته قوي في همته ، سيف ذو حدين.
       ان رمت خيره تجده واعظا ينهى عن قبيح ، وشفيعا يبلغك الى  مصلحة ، ومعينا يهديك الى منفعة  ، وواصفا يدنيك  من عذب الرُّطب وسلما يرقى بك أعلى الرتب ،  مُزَينٌ يدعو الى ألفة وحاصدٌ يجتث الضغائن، وزارع  يحرث  المودة ، به تنكشف الحقائق و تتبين الدقائق ، غاية الأرب في تقريب الطلب ، فيه ان استقام سِحْرُ الألباب وان استدام أنس الاصحاب،  شرف المَجالس وأُنْسُ المُجالس ، وصاحبه دونه  صورة مبهمة وبهيمة مرسلة ونهايته معجلة .

وان سلطته في السوء أراك عجائب الفتن وأرداك مهاوي المحن ، حاطب ليل يأتي على الفاسد والصالح دون هوادة ،  ان مشى فالشر مسلكه ، وان قال فالخبث منطقه ،  يغطي الحق بالزور المنمق ألوانا ، يمد له من النفاق أعوانا ، والفحش إخوانا ، لا تكاد تفتقده في موطن الا وجدته في آخر ، عند الخصومة مأججا للعراك ، وعند المآتم مُوَلْوِلًا بالثبور، وفي المجالس أفاكا يعجب الحضور ، وعند الشهادة يعشق القول بالزور ، قليل من يسلم من خطره ،  ويهنأ من بطره ، عضلة صغيرة حوت عجائب المستور وخفايا الصدور، ما إن رأت ضوء الشمس لا تتوقف حينها الا عند حتف صاحبها .

قد يظن حامله أنه سهل عليه ملكه والتحكم في حركاته وصداه، لكن لا يوشك أن يقول حتى يندم ويتمنى أنه أضرب عليه بسجن طويل لا يخرجه الا بضمان أنه لن يقول الا خيرا .

    لذلك كان يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب :  ليس هناك أحق بطول سجن من لسان .!

      والانسان يملك كلامه إن أودعه سره وطواه داخله ، فما أن يتفوه بشيء منه حتى لا يدري بعدها ما صنيعة ما قال به بعد ذلك  !
  فقد يلقي بين الناس كلمة يريد بها نصحا وأمرا بمعروف أو نهيا عن منكر ، فيقول بما لا يحسب له كلاما منظما وخطابا محكما ، فلا يجد الا آذانا صُمًّا وقلوبا غلفا ، وقد يَزلُّ فلا ينتبه الى حاضر مع القوم تصيب منه الكلمة موقعا آخر، فيظنها منه قذفا بحيلة أو سبا بمراوغة أو انتقادا بخبث ، فيعمد الى رد الصاع بالصاع وينتقل المجلس من نصح الى فضح،  ومن جهر بالمعروف الى نباح ، فالخير لو كان الصمت سيد المجلس أسلم من منكر أشد وألد .


وقد يصعد منبرا قد جهز للبوح فيه عدته ، وألبس ما يُجلي له هيبته ، وسطر ما يكشف له حجته ، فترى الكلمة تجُرّهُ الى أختها واللفظ يغريه بآخر، والحرف ينزلق له ليأتي بأخيه ، فينتقل الناس من الاعجاب الى الملل ومن النظر الى الضجر ، ويطنب بلا فائدة فيأتي بالأخير من كلامه يمحو به من أذهان الناس أوله ، ويجر نفسه جرا لا يدري كيف يوقف المهزلة ،  فيختم لاعنا نفسه عاضا على أسنانه الخائنة ، كونها لم تحكم لسانه من الشطط ، وتدبيره من الغلط .

وقد يسامر أصحابه ذات عشي ، فتأخذه خمرة السهر ونشوة الحديث، فيلوي لسانه على فلان يجرده من الخير ، و آخر يعريه من الخلاق ، والى فلانة يلبسها لباس الفاحشة  ، وعلانة يصفها خريطة يمشي فيها سائحا . والى  ابن فلان خاب مجده واندرث معالم هيبت وسقطت أوصاف رجولته ،  فيرعى بلسانه المزلات يلحس السيئات والذنوب ويحلق الدين والأخلاق، فلا يدري أنه قد أوقع وأولغ وزاد واستزاد الا عندما يُصفع على قفاه أو تلكمه كف طائشة تحطم أضراسه !
يقول عمر بن الخطاب كذلك : من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به .

     وقد تجد صاحبنا يلتوي كالأفعى الماكرة يحدث هامسا في السر  لمن  يفضح  في العلن ، ينتقل من مجلس الى مجلس يلقي السمع وينتظر علَّه يظفر بالمراد ، فان سمع قرينه يحدثه خنس بخفة الى من ينشر الرذيلة ويجهر بالفضيحة ، وتراه قد نشر معايبه في كل مجلس وعند كل أحد ، وفرق أخباره على الخلائق بالجملة وأوغل فيه بالهمز واللمز وزاده من عيوبه عيوب غيره ، وأفرغ عليه حلل المهانة حتى كساه المذلة وأشركه في طريق سخط الخاصة والعامة ، وتحرى له الكذبة تلو أختها بانتظام ، فصوره بصورة الشياطين المبلسين والفساق المفلسين . 
 ومثل هذا لا  يمر عليه الفلك حتى تجده قد أصيب ببلواه وسم بلسانه ، وأطيح أرضا يشتكي من عاقبته المحتومة .
                                     احفظ لسانك أيها الانسان     ليلدغنك إنه ثعبان
كم في القبر من قتيل لسانه    كانت تهاب لقاءه الشعان


وان أستؤمن على سر أخفاه عند غيره ، وعالجه بافشائه ، واستكتم عليه أقرانه وأمثاله ، فيكون سرا يشترك الناس جميعا بعلمه ، ومكتوما يدور في كل خاطر ، وكأنه ما أُودِع الا مأمورا بأن يفشي ، ولا اسْتُؤمِن الا طلبا لأن يخون ، فهذا اللسان تلعنه الانس والجان .

  وقد قيل قديما السر إن عرفه اثنان كُشف الى الخلائق كلها هما "الشفتان" . ان اللسان لا  يستطيع على الكتمان صبرا وليست له قوة على التحمل فما يكاد أحد يحدثه بحديث الا تراه يغلي يكاد ينفجر ، فما يستكين حتى يفرغ مضمونه الى غيره أو يزيد عليه تنميقا وتزويقا وشيئا من الجمال حتى يبديه في حلة أنيقة ، مقنعا أنه لا يريد بصاحبه الذي أودعه اياه الا الخير!

     وقد تجد هذا المسكينَ وقد حَمِيَ الوطيس في المعارك مسَعِّرا للفتن موقدا للضغائن حاشدا للخصوم ، جامعا للكلم السوء ينبح كالكلب المسعور ، لا يتورع من أن يختار من السب أقذعه واللعن أوسعه والشتم أوسخه ، سفيه حقير يصم الآذان بمختار كلماته القذرة ، ومنخول أوصافه المقرفة .
هذا يمد الزمن لصاحبه من الآماد مدا ويتركه حتى يأخذه شر مأخذ ويرمي به فارغا من المكارم والأخلاق ، وترى الناس يتحاشونه ويغضون عنه بالطرف ، ويزهدون في حديثه غير نادمين ، وان سلَّم على أحدهم شكَّ هل وضوءه يستقيم بعدها أم وجب عليه أن يغتسل سبعا أولاهن أو إحداهن بالتراب !

يقول أبو عمران الجوني رحمه الله : " انما لسان أحدكم كلب ، فاذا سلطه على نفسه أكله " .

*  *  *  *
اللسان رفيق سوء في غالب أحواله وامساكه خير من اطلاقه وان خرج يجب أن يقوده العقل الى مبتغاه ، وتلزمه التجربة أحوالها المختلفة ، فإن هام على وجهه دون مبالاة كانت المصيبة ، وحلت الطامة .

وأيما امرئ مخبوء تحت لسانه ،  ما أن يقول حتى يفتضح ويهمس حتى يشار اليه بالبنان ، لن يعلم صاحبه إن أراد أن يقول شيئا الى أين ينتهي ، ورب كلمة رفعت الى المعالي ، ورب أخرى أنزلت الى الحضيض .
يقول المعصوم صلى الله عليه وسلم : " ان الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت يكتب الله عز وجل له بها رضوانه الى يوم القيامة . وان الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أنها تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى بها سخطه الى يوم القيامة . "



0 التعليقات:

إرسال تعليق