السبت، 16 أبريل 2011

القناعة كنز لا يفنى :

محمد بن عبد الرحيم

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله واله وصحبه ومن والاه :

    إن الله تعالى  قد تكفل بتقسيم الأرزاق على خلائقه بنعمته،   وضمن لهم أقواتهم برحمته، وفضل بعضهم على بعض بحكمته ، ولكنه أمرهم أن يضربوا في الأرض بحثا عن الأسباب لا المسببات ، وسعيا وراء المقدمات لا حول النتائج. فالتمكن من السبب لا علاقة له بخلق المسبب.  فلله وحده الخلق والأمر تبارك الله أحسن الخالقين ،  فالعباد يسعون لأن الله آمرهم بالعمل ويجتهدون لأن الله لا يحب الكسالى والخاملين،  والله قد حدد المنفعة والمصلحة للعباد أجمعين  ...
ولكن الكثيرين اليوم باتوا يربطون مستقبل حياتهم بكد أجسامهم  وتدبير عقولهم وتخطيط ذكائهم ولا ينسبون لله فضلا ولا معروفا فوكلهم الله تعالى الى أنفسهم ، والى بعضهم البعض ومن وكل الى نفسه تاه  والى الناس ضاع .

ان هناك مبدأ نساه الكثير من  الناس اليوم الا من رحم الله ، وأصبح أقرب ما  يكون الى المثاليات التي  لا وجود لها الا في أذهان المتفلسفين خاصة  في هذا  الزمان الذي تغولت فيه حضارة المادة وصارت  تلتهم بلا رحمة مقدرات  الضعفاء والمساكين وتطاردهم لتقتسم  أقواتهم ومعايشهم وتفرقها بسخاء على كروش الأغنياء والمنتفعين ،  انه  مبدأ القناعة  والرضا بقسمة الله في خلقه وطلب الغنى عما في أيدي الناس .

ان حضارة المادة قد أغلقت على الناس منافذ الهداية فهم لا يرتاحون أبدا من الشقاء والعناء والتعب في بحث مستمر من أجل  اشباع مطالبها واحتياجاتها التي لا تنتهي أبدا ولا تتوقف .

ان القناعة لا ينالها الا مؤمن واثق الايمان بمولاه شديد الصلة بسيده ومن علم أن سيده لرزقه  ضامن  عاش حياته  آمن ، لذلك ارتاح الصالحون  عندما فهموا أن اللقمة التي كتب لهم أكلها لو اجتمت الدنيا ومن فيها لكي تحرمهم منها لما وجدت لذلك من سبيل .

إن الايمان بالله تعالى واليقين في عظمة ملكه ووسع خزائنه خفف على الكثيرين أهوال ما يجدون في حياتهم من عنت وشقاء ، ومن كان ايمانه في قلبه فانه يحمل جنته معه لا تفارقه، ومن ذاق حلاوة الايمان مهما تلاطمت حوله أمواج الأزمات فقد رسى على بر الأمان والاطمئنان .
 لذلك قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم :   {من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } قال  كثي من أهل التفسير : الحياة الطيبة  في الدنيا هي القناعة . وقيل في قوله تعالى : {ان الأبرار لفي نعيم } هو القناعة و{ان الفجار لفي جحيم } هو الحرص في الدنيا .
وفي الحديث ( من أصبح منكم آمناً في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بأسرها )[1]

وفي الحديث عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أ، النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( أترى يا أبى ذر أن كثرة المال هي الغنى ؟ انما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب ، من كان الغنى في قلبه فلا يضره ما لقي من الدنيا ومن كان فقره في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له في الدنيا .)[2]

ان القناعة هي رأس مال المسلم وعماده وقوام سعادته ومعينه على تقلبات الزمان ودوران الأيام ،  ومن دخل معترك الحياة غير متدرع بالقناعة أصابته سهام الطمع واللهث وراء السراب من كل مكان  ، وابن آدم ما أن ينظر الى  صورة الشهوة وزينة الدنيا لا يلبث أن تتحرك فيه مكامن الحيوان المفترس  المسجون الذي فتحت أصفاده  فهو هائم على وجهه يأكل الأخضر واليابس ، ولا يتوقف الا عند حتفه .

رحم الله ابراهيم بن أدهم وهو يوصي عطاء بن رباح : يا ابراهيم قليل من الدنيا مع الحكمة خير من الكثير من الدنيا بدون حكمة . يا ابراهيم : ان كان القليل من الدنيا يكفيك فان الكثير منها لا يغنيك . يا ابراهيم : انما بطنك بحر من البحور وواد من الأودية ولا يملأ جوف ابن ادم الا التراب .)

ان الغني هو الغني بنفسه    ولو أنه عار المناكب حاف
ما كل ما فوق البسيطة كافيا   فاذا قنعت فكل شيء كاف


ان للقناعة في حياة المؤمن  آثارا عظيمة :
·        أنها تملأ قلب صاحبها ايمانا وثقة بالله ورضا :

ولو اشترك الخلائق أن يزحزحوا هته القناعة في قلب قد أنس بعطاء الله لولو أدبارهم خائبين .  إن القانع بعطاء الله  يعيش في نعمة قليل  من يحسده عليها  لأنهم لا يعرفون ، ولو عرفوا لقاتلوه عليها بالسيوف ،  فهو سعيد ولو لم يكن معه من الدنيا الا ما يقيم صلبه فان أعطي شكر وان منع صبر، والمؤمن الذي سلم نفسه لله تعالى يعرف أنه لا يخيبه أبدا ولا يضيعه ، ولسان حاله يردد في ثبات ويقين أنه رب من نقمة قد تحمل في طياتها نعما جمة  وقد تكره النفس شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا .

     وما ثم الا الله في كل حالة      فللا تتكل يوما على غير لطفه
فكم حالة تأتي ويكرهها الفتى     وخيرته فيها على رغم أنفه

ولكن هناك الكثيرين من الناس  يقطعون ما بينهم  وبين الله من أواصر فينطلقون  في رعب   يضربون في الأرض كدا  من غير راحة  وتعبا من غير غاية ، فالنفس تطلب من غير  توقف والحياة المعقدة في ظلال حكم المادة لا ترحم ،  والانسان بين حاجات نفسه وواقعه لا يستكين أبدا ولا يلين، وعندما تفجع الدنيا المتقلبة يوما أصحابها فيها ساعتئذ يفزعون الى قلب  فارغ وايمان مغشوش .

    روي أن هذه الكلمات وجدها كعب الأحبار مكتوبة في التوراة فكتبها وهي:  "يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقياً، وسلطاني لا ينفد أبداً، يا ابن آدم لا تخش من ضيق الرزق ما دامت خزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبداً، يا ابن آدم لا تأنس بغيري، وأنا لك، فإن طلبتني وجدتني، وإن أنست بغيرك فتك وفاتك الخير كله، يا ابن آدم خلقتك لعبادتي، فلا تلعب، وقسمت رزقك فلا تتعب، وفي أكثر منه فلا تطمع، ومن أقل منه فلا تجزع، فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك، وكنت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمته لك فو عزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البر ولا ينالك منها إلا ما قد قسمته لك، وكنت عندي مذموماً، يا ابن آدم خلقت السموات السبع والأرضين السبع، ولم أعي بخلقهن أيعينني رغيف أسوقه لك من غير تعب، يا ابن آدم أنا لك محب، فبحقي عليك كن لي محباً، يا ابن آدم لا تطالبني برزق غد كما لا أطالبك بعمل غد، فإني لم أنس من عصاني، فكيف من أطاعني وأنا على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط." [3]

·        ان للقناعة أهمية كبرى في تقويم سلوك البشر وتحقيق سعادتهم النفسية والجسمية :
 فهي تحررهم من عبودية المادة وقيد الشهوة واسترقاق الحرص والطمع وعنائهما المرهق وهوانهما المذل وتنفخ في الانسان روح العزة والكرامة والترفع عن الدنيا واستدرار عطف اللئام .

 ان الطماعين  عبيد شهوة دنيئة ، ولذة عابرة خسيسة ،  يقفون على كل باب يسألون،  ويتمرغون في التراب تذللا للغادي والبادي يتملقون ، وما أن يروا أحدا معه شيء من الدنيا الا رأيتهم يتزلفون وينحنون في خشوع وعبادة يصلون "للدولار"  ويقدسون "الأورو" ولو أنهم في ظاهرهم يصلون لله ، ولكن قلوبهم تحسب جمعا وضربا وقسمة ، متذبذبون في صلاتهم يلوح لهم المال ببريقه الخلاب فيسلب عليهم عقولهم وألبابهم .

لذلك قالت الحكماء : من أراد أن يعيش حرا أيام حياته ، فلا يسكن قلبه الطمع .

وان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (شرف المؤمن قيامه الليل وعزه استغناؤه عن الناس ).

ان حقيقة الذل والهوان  تكمن في اعتقادك  أن أحدا يستطيع غناءك دون الله  ، أو أن رزقك قد تكفل به أحد من عباده ، فأنت أيها العبد قائم تضرب الأخماس بالأسداس تنتظر من صاحبك أن يمن عليك بعطاء ، أو يتفضل عليك برزق ، أو يغمرك باحسان ، فانت عبد لمن تعتقد فيه ذلك . تكن له في صدرك كامل التقديس والتعظيم ، وان ادعى الكثيرون في زماننا الأغبر هذا  أنهم يعبدون الله  وحده فلأنهم فقط لم يجدوا  صاحب مال ينطرحون بين يديه شاكين باكين ، وعندما يعترض طريقهم صاحب نعمة ويُسر، ترى القلوب خاشعة ترتل آيات الدينار العظيم  .!!

رحم الله محمد بن واسع : كان يبل الخبز اليابس بالماء ويأكله ويقول : من قنع بهذا لم يحتج الى أحد من الناس .

وأوصى أعرابي صاحبه فقال :
يا مالك لا تسأل الناس والتمس   يكفيك فضل الله فالله أوسع
ولو تسأل الناس التراب لأوشكوا   اذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا


وقال اخر :
انا ان عشت لست أعدم قوتا      واذا مت لست أعدم قبرا
    همتي همة الملوك ونفسي       نفس حر ترى المذلة كفرا
واذا ما قنعت بالقوت عمري     فلماذا أخاف زيدا وعمرا

·        ان في القناعة سعادة البال وراحة الضمير :
    و حضارة اليوم تقيس كل قيمة بالمال والمادة وتعتبر القناعة فلسفة لا يؤمن بها الا الفقراء والمساكين والمتسولون ، ومنهم من يعتبرها أفيونا يدوخ به رجال الدين المستضعفين  حتى يخرسوهم عن طلب حقوقهم . وفي ذلك وغيره فرية يرد عليها واقع الناس اليوم ، فهم تعساء يبحثون عن السعادة في جيوبهم فلا يجدون وفي رصيدهم في البنوك فيلقون الفقر يطادرهم من كل مكان ، ولو كانت السعادة تباع وتشترى لدفع أصحاب الشركات فيها دماء قلوبهم ، ولكنْ لن ينالها  مَنْ شبَحُ الفقر بين عينيه يلوح له من قريب ينذره بالخسارة فينغص عليه رغد عيشه . !

صحيح اننا عندما نتحدث عن القناعة و الرضا لا يعني أن يرى الانسان مالَه ينهبه اللصوصُ ويستغله المترفون ،  فيخلد الى الأرض في خوف وجزع  ويدعي في حياء أنه راض بقضاء الله وقدره ،  ولو خبرت حقيقته لوجدت أحشاءه مضرمة بنار الأسى على ما فات من دنياه . ولضعفه  عن مقاومة سارقِه ومستغلِه،  يعمد أن يُريح نفسه بوهم قد يسميه القناعة. !!

ان المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف والقوي غير مخدوع في أمر دنياه ولا في أمر دينه  كما كان يقول أمير المؤمين عمر : لست بالخب ولا الخب يخدعني ، ان المؤمن يطالب حقوقه ويجاهد من أجلها .
وفي الحديث : (من مات دون ماله  فهو شهيد ..) . فاذا أخذ حقه كغيره من خلق الله  هناك اختبره وانظر هل يصيبه العمى عن تذكر الله واليوم الآخر . فان لم يكترث بعد أخذ حقه لرزق جاء أو ذهب فهو قنوع راض .

ان المؤمن يأكل في معئ واحد وقلبه يرفرف في سعادة لأن الله غمر عليه قلبه فهو قانع بما يأتيه،  والكافر يأكل في سبعة أمعاء (الحرص ، والشره ، وطول الأمل ، والطمع ، وسوء الطبع ، ولذة الجسد ، والتخمة والانتفاخ )  فلا يشبع أبدا ،   ولا يبقى في قلبه للراحة منفذ ولا للسعادة الى حياته من سبيل .  
 رحم الله الشاعر حيث يقول :
هي القناعة لا ترضى بها بدلا     فيها النعيم وفيها راحة البدن
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها     هل راح منه بغير القطن والكفن


فاللهم ارزقنا القناعة ونور قلوبنا بالطاعة واحفظنا في صفوف الجماعة ،
ونعوذ بك اللهم من الجزع على المتع واحفظنا من  الطمع وشر ما في الشبع .







[3] المستطرف في كل فن مستظرف/  للأبشيهي
 

0 التعليقات:

إرسال تعليق