الجمعة، 6 مايو 2011

تحري الصدق

    -  قال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " التوبة: 119،
    -  وقال تعالى: { وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ }
    -  وقال تعالى: { فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ }

وقد أثنى الله تعالى على أنبيائه ورسله وخلع عليهم حلة التفضيل بالصدق فقال تعالى : واذكر في الكتاب ابراهيم أنه كان صيدقا نبيئا
   - {واذكر في الكتاب موسى إنه مخلصا وكان رسول نبيئا }
   - {واذكر في الكتاب اسماعيل انه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيئا }
   - {واذكر في الكتاب ادريس انه كان صديقا نبيئا .. }
  -  ولقد قال الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام : « إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقا ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا »
   -  يروى عن وعن عبد الله بن عمرو أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما عمل الجنة قال: الصدق وإذا صدق العبد بر وإذا بر آمن وإذا آمن دخل الجنة.
حقيقة الصدق:
إن حقيقة الصدق أوسع من كونها الصدق في الحديث فقط ، وإنما حقيقة الصدق شاملة لصدق النية والعزيمة ، وصدق اللسان ، وصدق الأعمال .

  ويفصّل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى القول في هذا المعنى فيقول: والإيمان أساسه الصدق ، والنفاق أساسه الكذب ، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر«.

الصدق أنواع ومراتب تتجلى فيما يلي  :
-  صـدق الـنـيـات:
وذلك بأن تكون النية خالصة لله عز وجل وابتغاء مرضاته ، وأن لا يكون هناك باعث في الحركات والسكنات إلا مرضاة الله عز وجل
الصدق في الأقوال له صور عديدة منها:
أ - الصدق في نقل الأخبار:
وهذا بدوره يتطلب مــن الناقل التثبت فيما يقال ، واجتناب الظنون والأوهام والحذر من التحدث بكــل مــــا يُسْمَعُ
  - قال -صلى الله عليه وسلم-: إياكم والـظـن فـــــإن الظن أكذب الحديث«
 - وقال: كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع« (3).
         ب- الصدق في الوعد:
والوعد قد يكون على مكان معين أو في زمن معين أو على أعطية أو زواج أو أي أمر آخـــر يعـد به الرجل أخاه ، فإن الإخلاف في هذه الأمور وأمثالها بدون مبرر شرعي يعتبر كذباً لقوله تعالى: ((واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاْ نبياْ))
  ج -الوفاء بالعقود والعهود:
فإخلاف العهد والغدر فيه من أشد أنواع الكذب. قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)) وقال تعالى: ((والموفون بعهدهم إذا عاهدوا))
   -  يـقـــول صلى الله عليه وسلم:( أربع من كُنّ فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهـن كان فيه خصلة من النفاق: إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر.)
-  وعن عبادة بن الصامت ـرضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال « اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم ، وأدوا إذا ائتمنتم ، واحفظوا فروجكم ، وغضوا أبصاركم ، وكفواأيديكم»
- الصـدق في الأعـمال:
وهو استواء الأفعال على الأمر والمتابعة ، كمن يتظاهر بالخشـوع في الظاهر والقلـب ليس كذلك أو يتظاهر بالحرقة على الدين والغيرة على المحــارم وهو في الباطن ليس كذلك والصور كثيرة جداً فمنها صور الرياء المختلفة، والـقـول باللسان ما ليس في القلب ، وهذا لا يعني أن يترك المرء الأعمال الصالحة حتى يصلح باطنه، كلا ولكن يجاهد نفسه في أن يستحيل باطنه إلى تصديق ظاهره )
  -  يـقــــول صـاحـب الإحياء: ( إن مخالفة الظاهر للباطن إن كانت عن قصد سميت رياء ويفوت بها الإخلاص ، وإن كانت عن غير قصد فيفوت بها الصدق) ،
  -  وقال معاوية بن مرة:  من يدلني على بكّاء في الليل بسّام في النهار؟
الصـدق في مقامات الدين:
كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والحب وسائر هذه الأمور فإن هذه الأمور مباديء ينطلق الاسم بظهورها ، ثم لها غايات وحقائق والصادق المحقق من نال حقيقتها .
     - وقال الله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثـم لـم يـرتـابــوا) إلى قوله ((أولئك هم الصادقون)

     -  وقال: (ولـكـن البـر مـن آمـن باللـه والـيـوم الآخـر) إلـى قـولـــــه:(أولـئــك الـذيــن صدقوا)

     -  يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في المدارج في مقام الصدق  « ..هو منزل القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين ،والطريق الأقوم ، الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين » ... إلى أن يقول : « فهو روح الأعمال ، ومحك الأحوال ، والحامل على اقتحام الأهوال ، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال ، وهو أساس بناء الدين ،وعمود فسطاط اليقين ، ودرجته تالية لدرجة ( النبوة ) التي هي أرفع درجات العالمين »

  -  وجاء عن الشَّيْخ  الْإِمَام يُمْنُ بْنُ رِزْقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ :   َاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ مَنْ صَدَقَ اللَّهَ أَوْصَلَهُ إلَى الْجَوَلَانِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ بِقَلْبِهِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ بِطَرَفِ مَا قَدْ أَفَادَهُ السَّيِّدُ الْكَرِيمُ فَصَارَ قَلْبُهُ وِعَاءً لِخَيْرٍ لَا يَنْفَدُ ، وَعَجَائِبَ فِكْرٍ لَا تَنْقَضِي ، وَمَعَادِنَ جَوَاهِرَ لَا تَفْنَى ، وَبُحُورِ حِكْمَةٍ لَا تُنْزَحُ أَبَدًا ، وَمَعَ ذَلِكَ مَلَكُوا الْجَوَارِحَ ، وَالْأَبْدَانَ ، وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ فِي ابْنِ آدَمَ مُضْغَةً إنْ صَلُحَتْ صَلُحَ سَائِرُ جَسَدِهِ ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ جَسَدِهِ ، وَهِيَ الْقَلْبُ .
من علامات الصدق:

1- -  طمأنينة القلب واستقراره :
   -  يقول صلى الله عليه وسلم:  دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة
-  2- الزهد في الدنيا والتأهب للقاء الله عز وجل:
ومن علامة طمأنينة القلب النابعة من الصدق انشراحه وزهده في الدنيا والتأهب للآخرة  -  قال تعالى: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاْ كأنما يصعد في السماء))
   ** لما نزلت هذه الآية سئل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن شرح الصدر فقال: نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح ،قيل فهل لذلك أمارة؟ قال: نعم، الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور،والاستعداد للموت قبل نزول الموت .)
3- الزهد في ثناء الناس ومدحهم بل وكراهة ذلك:
   - يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى : (لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار)
4-   إخفاء الأعمال الصالحة وكراهة الظهور:
 - عن أبي حمزة الثمالي قال: كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل
 - وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس ، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه وما يشعر به الناس ، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور وما يشعرون به.
7-   الشعور بالتقصير والانشغال بإصلاح النفس ونقدها أكثر من الآخرين:
من علامات صدق العبد مع ربه ومع نفسه أن ينشغل بنفسه وإصلاحها وتقويمها أكثر مما يعطيه لغيرها.
   8-  -   الاهتمام بأمر هذا الدين والجهاد في سبيل الله عز وجل زالاهتمام بشؤون المسلمين وقضاياهم :
      -   قال الله تعالى  :{ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا .
      -  يروى أن رجلٌ من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فآمن به و اتبعه ، ثم قال : " أهاجر معك " ، فأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ، فلما كانت غزوة ،غنم النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ،فقسم و قسم له ، وكان يرعى ظهورهم ، فلما جاء دفعوه إليه ،فقال : " ماهذا ؟ " ،قالوا : " قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم " فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال " ما هذا ؟ " ، قال : ( قسمته لك(، قال: ما على هذا اتبعتك ،ولكن اتبعتك على أن أُرمى إلى ها هنا – و أشار إلى موضع_ بسهم فأموت ، فأدخل الجنة " ،فقال صلى الله عليه وسلم) إن تصدق الله يَصْدُقك(    فلبثوا قليلاً ، ثم نهضوا في قتال العدو ، فأُتي به الى النبي صلى الله عليه وسلم يُحمل وقد أصابه سهم حيث أشار،فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  أهو هو ؟ قالوا : " نعم " ، قال( صَدَقَ الله فَصَدَقَهُ (
     9  قبول الحق والتسليم له: 
فالصادق لا تراه إلا صادعاً بالحق لا يخاف في الله لومة لائم ، ولا يجامل ولا يداهن.



0 التعليقات:

إرسال تعليق